فصل: سنة تسع عشرة وستمائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الكامل في التاريخ (نسخة منقحة)



.سنة تسع عشرة وستمائة:

.ذكر خروج طائفة من قفجاق إلى أذربيخان وما فعلوه بالكرج وما كان منهم:

في هذه السنة اجتمع طائفة كثيرة من القفجاق وفارقوا بلادهم لما استولى عليها التتر، وساروا إلى دربند شروان، وأرسلوا إلى صاحبه، واسمه رشيد، وقالوا له: إن التتر قد ملكوا بلادنا، ونهبوا أموالنا، وقد قصدناك لنقيم في بلادك، ونحن مماليك لك، ونفتح البلاد لك، وأنت سطاننا؛ فمنعهم من ذلك وخافهم، فأعادوا الرسالة إليه: إننا نحن نرهن عندك أولادنا ونساءنا على الطاعة والخدمة لك، والانقياد لحكمك؛ فلم يجبهم إلى ما طلبوا، فسألوه أن يمكنهم ليتزودوا من بلده، تدخل عشرة عشرة، فإذا اشتروا ما يحتاجون إليه فارقوا بلاده، فأجابهم إلى ذلك، فصاروا يدخلون متفرقين، ويشترون ما يريدون، ويخرجون.
ثم إن بعض كبرائهم والمقدمين منهم جاء إلى رشيد وقال: إنني كنت في خدمة السلطان خوارزم شاه، وأنا مسلم، والدين يحملني على نصحك؛ اعلم أن قفجاق أعداؤك، ويريدون الغدر بك، فلا تمكنهم من المقام ببلادك، فأعطني عسكراً حتى أقاتلهم وأخرجهم من البلاد. ففعل ذلك، وسلم إليه طائفة من عسكره، وأعطاهم ما يحتاجون إليه من سلاح وغيره، فساروا معه، فأوقعوا بطائفة من قفجاق، فقتل منهم جماعة ونهب منهم، فلم يتحرك قفجاق لقتال بل قالوا: نحن مماليك الملك شروان شاه رشيد، ولولا ذلك لقاتلنا عسكره؛ فلما عاد ذلك المقدم القفجاقي ومعه عسكر رشيد سالمين، فرح بهم.
ثم إن قفجاق فارقوا موضعهم، فساروا ثلاثة أيام فقال ذلك القفجاقي لرشيد: أريد عسكراً أتبعهم؛ فأمر له من العسكر بما أراد، فسار يقفو أثر القفجاق، فأوقع بأواخرهم، وغنم منهم.
وقصده جمع كثير من قفجاق من الرجال والنساء يبكون، وقد جزوا شعورهم، ومعهم تابوت، وهم محيطون به يبكون حلوه، وقالوا له: إن صديقك فلاناً مات، وقد أوصى أن نحمله إليك فتدفنه في أي موضع شئت، ونكون نحن عندك؛ فحمله معه والذين يبكون عليه أيضاً، وعاد إلى شروان شاه رشيد، وأعلمه أن الميت صديق له، وقد حمله معه، وقد طلب أهله أن يكونوا عنده في خدمته، فأمر أن يدخلوا البلد، وأنزلهم فيه.
فكان أولئك الجماعة يسيرون مع ذلك المقدم، ويركبون بركوبه، ويصعدون معه إلى القلعة التي لرشيد، ويقعدون عنده، ويشربون معه هم ونساؤهم، فأحب رشيد امرأة ذلك الرجل الذي قيل له: إنه ميت، ولم يكن مات، وإنما فعلوا هكذا مكيدة حتى دخلوا البلد والذي أظهروا موته معهم في المجلس، ولا يعرفه رشيد، وهو من أكبر مقدمي قفجاق، فبقوا كذلك عدة أيام، فكل يوم يجيء جماعة من قفجاق متفرقين، فاجتمع بالقلعة منهم جماعة، وأرادوا قبض رشيد وملك بلاده، ففطن لذلك، فخرج عن القلعة من باب السر، وهرب ومضى إلى شروان. وملك قفجاق القلعة، وقالوا لأهل البلد: نحن خير لكم من رشيد؛ وأعادوا باقي أصحابهم إليهم، وأخذوا السلاح الذي في البلد جميعه، واستولوا على الأموال التي كانت لرشيد في القلعة، ورحلوا عن القلعة، وقصدوا قبلة، وهي للكرج، فنزلوا عليها وحصروها.
فلما سمع رشيد بمفارقتهم القلعة رجع إليها وملكها، وقتل من بها من قفجاق، ولم يشعر القفجاق الذين عند قبلة بذلك، فأرسلوا طائفة منهم إلى القلعة، فقتلهم رشيد أيضاً، فبلغ الخبر إلى القفجاق، فعادوا إلى دربند، فلم يكن لهم في القلعة طمع.
وكان صاحب قبلة، لما كانوا يحصرونه، قد أرسل إليهم، وقال لهم: أنا أرسل إلى ملك الكرج حتى يرسل إليكم الخلع والأموال، ونجتمع نحن وأنتم ونملك البلاد، فكفوا عن نهب ولايته أياماً، ثم إنهم مدوا أيديهم بالنهب والفساد، ونهبوا بلاد قبلة جميعها، وساروا إلى قرب كنجة من بلاد أران، وهي للمسلمين، فنزلوا هناك، فأرسل إليهم الأمير بكنجة، وهو مملوك لأوزبك صاحب أذربيجان اسمه كوشخرة، عسكراً فمنعهم من الوصول إلى بلاده، وسير رسولاً إليهم يقول لهم: غدرتم بصاحب شروان، وأخذتم قلعته، وغدرتم بصاحب قبلة، ونهبتم بلاده، فما يثق بكم أحد؛ فأجابوا: إننا ما جئنا إلا قصداً لخدمة سلطانكم، فمنعنا شروان شاه عنكم، فلهذا قصدنا بلاده، وأخذنا قلعته، ثم تركناها من غير خوف؛ وأما صاحب قبلة فهو عدوكم وعدونا، ولو أردنا أن نكون عند الكرج لما كنا جعلنا طريقنا على دربند شروان، فإنه أصعب وأشق وأبعد، وكنا جئنا إلى بلادهم على عادتنا ونحن نوجه الرهائن إليكم.
فلما سمع كوشخرة هذا سار إليهم، فسمع به قفجاق، فركب أميران منهم، هما مقدماهم، في نفر يسير، وجاءوا إليه ولقوه وخدموه، وقالوا له: قد أتيناك جريدة في قلة من العدد لتعلم أننا ما قصدنا إلا الوفاء والخدمة لسلطانكم، فأمرهم كوشخرة بالرحيل والنزول عند كنجة، وتزوج ابنه أحدهم، وأرسل إلى صاحبه وأزبك يعرفه حالهم، فأمر لهم بالخلع النزول بجبل كيلكون، ففعلوا ذلك.
وخافهم الكرج، فجمعوا لهم ليكبسوهم، فوصل الخبر بذلك إلى كوشخرة أمير كنجة، فأخبر قفجاق، وأمرهم بالعود والنزول عند كنجة، فعادوا ونزلوا عندها، وسار أمير من أمراء قفجاق في جمع منهم إلى الكرج، فكبسهم، وقتل كثيراً منهم، وهزمهم، وغنم ما معهم، وأكثر القتل فيهم والأسر منهم، وتمت الهزيمة عليهم، ورجع قفجاق إلى جبل كيلكون، فنزلوا فيه كما كانوا.
فلما نزلوا أراد الأمير الآخر من أمراء قفجاق أن يؤثر في الكرج مثل ما فعل صاحبه، فسمع كوشخرة، فأرسل إليه ينهاه عن الحركة إلى أن يكشف له خبر الكرج، فلم يقف، فسار إلى بلادهم في طائفته، ونهب وخرب وأخذ الغنائم، فسار الكرج في طريق يعرفونها وسبقوه، فلما وصل إليهم قاتلوه، وحملوا عليه وعلى من معه على غرة وغفلة، فوضعوا السيف فيهم، وأكثروا القتل فيهم، واستنقذوا الغنائم منه، فعاد هو ومن معه على أقبح حالة، وقصدوا برذعة.
وأرسلوا إلى كوشخرة يطلبون أن يحضر عندهم هو بنفسه وعسكره ليقصدوا الكرج فيأخذوا بثأرهم منهم، فلم يفعل، وأخافهم، وقال: أنتم خالفتموني، وعملتم برأيكم، فلا أنجدكم بفارس واحد؛ فأرسلوا يطلبون الرهائن الذين لهم، فلم يعطهم، فاجتمعوا وأخذوا كثيراً من المسلمين عوضاً من الرهائن، فثأر بهم المسلمون من أهل البلاد، وقاتلوهم، فقتلوا منهم جماعة كثيرة، فخافوا، وساروا نحو شروان، وجازوا إلى بلد اللكز، فطمع الناس فيهم، المسلمون والكرج واللكز وغيرهم، فأفنوهم قتلاً ونهباً وأسراً وسبياً بحيث إن المملوك منهم كان يباع في دربند شروان بالثمن البخس.

.ذكر نهب الكرج بيلقان:

في هذه السنة، في شهر رمضان، سار الكرج من بلادهم إلى بلاد أران وقصدوا مدينة بيلقان، وكان التتر قد خربوها، ونهبوها كما ذكرناه قبل، فلما سرا التتر إلى بلاد قفجاق عاد من سلم من أهلها إليها، وعمروا ما أمكنهم عمارته من سورها.
فبينما هم كذلك إذ أتاهم الكرج ودخلوا البلد وملكوه. وكان المسلمون في تلك البلاد ألفوا من الكرج أنهم إذا ظفروا ببلد صانعوه بشيء من المال فيعودون عنهم، فكانوا أحسن الأعداء مقدرة؛ فلما كانت هذه الدفعة ظن المسلمون أنهم يفعلون مثل ما تقدم، فلم يبالغوا في الامتناع منهم، ولا هربوا من بين أيديهم، فلما ملك الكرج المدينة وضعوا السيف في أهلها، وفعلوا من القتل والنهب أكثر مما فعل بهم التتر.
هذا جميعه يجري، وصاحب بلاد أذربيجان أوزبك بن البهلوان بمدينة تبريز، ولا يتحرك في صلاح، ولا يتجه لخير بل قد قنع بالأكل وإدمان الشرب والفساد، فقبحه الله، ويسر للمسلمين من يقوم بنصرهم وحفظ بلادهم بمحمد وآله.

.ذكر ملك بدر الدين قلعة شوش:

في هذه السنة ملك بدر الدين، صاحب الموصل، قلعة شوش من أعمال الحميدية، وبينها وبين الموصل اثنا عشر فرسخاً.
وسبب ذلك أنها كانت هي وقلعة العقر متجاورتين لعماد الدين زنكي ابن أرسلان شاه، وكان بينهما من الخلف ما تقدم ذكره.
فلما كان هذه السنة سار زنكي إلى أذربيجان ليخدم صاحبها أوزبك ابن البهلوان، فاتصل به، وصار معه، وأقطعه إقطاعات، وأقام عنده، فسار بدر الدين إلى قلعة شوش فحاصرها، وضيق عليها، وهي على راس جبل عال فطال مقامه عليها لحصانتها، فعاد إلى الموصل، وترك عسكره محاصراً لها، فلما طال الأمر على من بها، ولم يروا من يرحله عنهم، ولا من ينجدهم، سلموها على قاعدة استقرت بينهم، من أقطاع وخلع وغير ذلك، فتسلمها نوابه في التاريخ، ورتبوا أمورها وعادوا إلى الموصل.

.ذكر عدة حوادث:

في هذه السنة، في العشرين من شعبان، ظهر كوكب في السماء في الشرق، كبير له ذؤابة طويلة غليظة، وكان طلوعه وقت السحر، فبقي كذلك عشرة أيام، ثم إنه ظهر أول الليل في الغرب مما يلي الشمال، فكان كل ليلة يتقدم إلى جهة الجنوب نحو عشرة أذرع في رأي العين، فلم يزل يقرب من الجنوب حتى صار غرباً محضاً، ثم صار غرباً مائلاً إلى الجنوب، بعد أن كان غرباً مما يلي الشمال، فبقي كذلك إلى آخر شهر رمضان من السنة ثم غاب.
وفيها توفي ناصر الدين محمود بن محمد قرا أرسلان، صاحب حصن كيفا وآمد، وكان ظالماً قبيح السيرة في ريعته. قيل: إنه كان يتظاهر بمذهب الفلاسفة في أن الأجساد لا تحشر؛ كذبوا لعنهم الله. ولما مات ملك ابنه الملك المسعود. ثم دخلت:

.سنة عشرين وستمائة:

.ذكر ملك صاحب اليمن مكة حرسها الله تعالى:

في هذه السنة سار الملك المسعود أتسز ابن الملك الكامل محمد، صاحب مصر، إلى مكة وصاحبها حينئذ حسن بن قتادة بن إديس، العلوي الحسيني، قد ملكها بعد أبيه، كما ذكرناه.
وكان حسن قد أساء إلى الأشراف والمماليك الذين كانوا لأبيه، وقد تفرقوا عنه، ولم يبق عنده غير أخواله من غيره، فوصل صاحب اليمن إلى مكة، ونهبها عسكره إلى العصر.
فحدثني بعض المجاورين المتأهلين أنهم نهبوها، حتى أخذوا الثياب عن الناس، وأفقروهم، وأمر صاحب اليمن أن ينبش قبر قتادة ويحرق، فنبشوه، فظهر التابوت الذي دفنه انبه الحسن والناس ينظرون إليه، فلم يروا فيه شيئاً، فعلموا حينئذ أن الحسن دفن أباه سراً، وأنه لم يجعل في التابوت شيئاً.
وذاق الحسن عاقبة قطيعة الرحم، وعجل الله مقابلته، وأزال عنه ما قتل أباه وأخاه وعمه لأجله؛ خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.

.ذكر حرب بين المسلمين والكرج بأرمينية:

في هذه السنة، في شعبان، سار صاحب قلعة سرماري، وهي من أعمال أرمينية إلى خلاط، لأنه كان في طاعة صاحب خلاط، وهو حينئذ شهاب الدين غازي بن العادل أبي بكر بن أيوب، فحضر عنده، واستخلف ببلده أميراً من أمرائه، فجمع هذا الأمير جمعاً وسار إلى بلاد الكرج، فنهب منها عدة قرى وعاد.
فسمعت الكرج بذلك، فجمع صاحب دوين، واسمه شلوة، وهو من أكابر أمراء الكرج، عسكره وسار إلى سرماري فحضرها أياماً، ونهب بلدها وسوادها ورجع.
فسمع صاحب سرماري الخبر، فعاد إلى سرماري، فوصل إليها في اليوم الذي رحل الكرج عنها، فأخذ عسكره وتبعهم، فأوقع بساقتهم، فقتل منهم وغنم، واستنقذ بعض ما أخذوا من غنائم بلاده.
ثم إن صاحب دوين جمع عسكره وسار إلى سرماري ليحصرها، فوصل الخبر إلى صاحبها بذلك، فحصنها، وجمع الذخائر وما يحتاج إليه، فأتاه من أخبره أن الكرج نزلوا بوادي بني دوين وسرماري، وهو وادي ضيق، فسار بجميع عسكره جريدة، وجد السير ليكبس الكرج، فوصل إلى الوادي الذي هم فيه وقت السحر، ففرق عسكره فرقتين: فرقة من أعلى الوادي، وفرقة من أسفله، وحملوا عليهم وهم غافلون، ووضعوا السيف فيهم، فقتلوا وأسروا، فكان في جملة الأسرى شلوة أمير دوين، في جماعة كثيرة من مقدميهم، ومن سلم من الكرج عاد إلى بلدهم على حال سيئة.
ثم إن ملك الكرج أرسل إلى الملك الأشرف موسى بن العادل، صاحب ديار الجزيرة، وهو الذي أعطى خلاط وأعمالها الأمير شهاب الدين، يقول له: كنا نظن أننا صلح، والآن فقد عمل صاحب سرماري هذا العمل، فإن كنا على الصلح فنريد إطلاق أصحابنا من الأسر، وإن كان الصلح قد انفسخ بيننا فتعرفنا حتى ندبر أمرنا.
فأرسل الأشرف إلى صاحب سرماري يأمره بإطلاق الأسرى وتجديد الصلح مع الكرج، ففعل ذلك واستقرت قاعدة الصلح، وأطلق الأسرى.

.ذكر الحرب بين غياث الدين وخاله:

في هذه السنة في جمادى الآخرة، انهزم إيغان طائيسي، وهو خال غياث الدين بن خوارزم شاه محمد بن تكش، وغياث الدين هذا هو صاحب بلاد الجبل والري وأصبهان وغير ذلك، وله أيضاً بلاد كرمان.
وكان سبب ذلك أن خاله إيغان طائيسي كان معه، وفي خدمته، وهو أكبر أمير معه لا يصدر غياث الدين إلا عن رأيه، والحكم إليه في جميع المملكة، فلما عظم شأنه حدث نفسه بالاستيلاء على الملك، وحسن له ذلك غيره، وأطمعه فيه، قيل: إن الخليفة الناصر لدين الله أقطعه البلاد سراً، وأمره بذلك، فقويت نفسه على الخلاف، فاستفسد جماعة من العسكر واستمالهم.
فلما تم له أمره أظهر الخلاف على غياث الدين، وخرج عن طاعة أوزبك، وصار في البلاد يفسد، ويقطع الطريق، وينهب ما أمكنه من القرى وغيرها. وانضاف إليه جمع كثير من أهل العنف والفساد، ومعه مملوك آخر اسمه أيبك الشامي، وساروا جميعهم إلى غياث الدين ليقاتلوه ويملكوا بلاده ويخرجوه منها، فجمع غياث الدين عسكره والتقوا بنواحي واقتتلوا، فانهزم خال غياث الدين ومن معه، وقتل من عسكره وأسر كثير، وعاد المنهزمون إلى أذربيجان على أقبح حال، وأقام غياث الدين في بلاده وثبت قدمه.

.حادثة غريبة لم يوجد مثلها:

كان أهل المملكة في الكرج لم يبق منهم غير امرأة، وقد انتهى الملك إليها فوليته، وقامت بالأمر فيهم، وحكمت، فطلبوا لها رجلاً يتزوجها ويقوم بالملك نيابة عنها، ويكون من أهل بيت مملكة، فلم يكن فيهم من يصلح لهذا الأمر.
وكان صاحب أرزن الروم، هذا الوقت، هو مغيث الدين طغرل شاه بن قلج أرسلان بن مسعود قلج أرسلان، وبيته مشهور من أكابر ملوك الإسلام، وهم من الملوك السلجوقية، وله ولد كبير، فأرسل إلى الكرج يطلب الملكة لولده ليتزوجها، فامتنعوا من إجابته، وقالوا: لا نفعل هذا، لأننا لا يمكنا أن يملك أمرنا مسلم. فقال لهم: إن ابني يتنصر ويتزوجها؛ فأجابوه إلى ذلك، فأمر ابنه فتنصر ودان بالنصرانية، وتزوج الملكة، وانتقل إليها، وأقام عند الكرج حاكماً في بلادهم، واستمر على النصرانية، نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله أن يجعل خير أعمالنا آخرها، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه.
ثم كانت هذه الملكة الكرجية تهوى مملوكاً لها، فكان زوجها يسمع عنها القبائح ولا يمكنه الكلام لعجزه، ثم إنه يوماً دخل عليها فرآها نائمة مع مملوكها في فراش، فأنكر ذلك وواجهها بالمنع منه، فقالت: إن رضيت بهذا، وإلا أنت أخبر. فقال: إنني لا أرضى بهذا، فنقلته إلى بلد آخر، ووكلت به من يمنعه من الحركة، وحجرت عليه، وأرسلت إلى بلد اللان وأحضرت رجلين كانا قد وصفا بحسن الصورة، فتزوجت أحدهما، فبقي معها يسيراً، ثم إنها فارقته، وأحضرت إنساناً آخر من كنجة، وهو مسلم، فطلبت منه أن يتنصر ليتزوجها، فلم يفعل، فأرادت أن تتزوجه وهو مسلم، فقام عليها جماعة من الأمراء، ومعهم إيواني، وهو مقدم العساكر الكرجية، فقالوا لها: قد افتضحنا بين الملوك بما تفعلين ثم تريدين أن يتزوجك مسلم، وهذا لا نمكن منه أبداً، والأمر بينهم متردد والرجل الكنجي عندهم لم يجبهم إلى الدخول في النصرانية وهي تهواه.

.ذكر عدة حوادث:

في هذه السنة كان الجراد في أكثر البلاد، وأهلك كثيراً من الغلات والخضر بالعراق والجزيرة وديار بكر وكثير من الشام وغيرها.
وفيها، في رمضان، توفي عبد الرحمن بن هبة الله بن عساكر، الفقيه الشافعي الدمشقي، بها، وكان غزير العلم، عالماً بالمذهب، كثير الصلاح والزهد والخير، رحمه الله.
وفيها خرج العرب في خلق كثير على حجاج الشام، وأرادوا قطع الطريق عليهم وأخذهم، وكان الأمير على الحجاج شرف الدين يعقوب، بن محمد، وهو من أهل الموصل، أقام بالشام، وتقدم فيه، فمنعهم بالرغبة والرهبة، ثم صانعهم بمال وثياب وغير ذلك، فأعطى الجميع من ماله، ولم يأخذ من الحجاج الدرهم الفرد، وفعل فعلاً جميلاً. وكان عنده كثير من العلوم، ويرجع إلى دين متين. ثم دخلت:

.سنة إحدى وعشرين وستمائة:

.ذكر عود طائفة من التتر إلى الري وهمذان وغيرهما:

أول هذه السنة وصل طائفة من التتر من عند ملكهم جنكزخان، وهؤلاء غير الطائفة الغربية التي ذكرنا أخبارها قبل وصول هؤلاء الري؛ وكان من سلم من أهلها قد عادوا إليها وعمروها، فلم يشعوا بالتتر إلا وقد وصلوا إليها، فلم يمتنعوا عنهم، فوضعوا في أهلها السيف وقتلوهم كيف شاؤوا، ونهبوا البلد وخربوه، وساروا إلى ساوة ففعلوا بها كذلك، ثم إلى قم وقاشان، وكانتا قد سلمتا من التتر أولاً، فإنهم لم يقربوهما، ولا أصاب أهلهما أذى، فأتاهما هؤلاء وملكوهما، وقتلوا أهلهما، وخربوها، وألحقوهما بغيرهما من البلاد الخراب.
ثم ساروا في البلاد يخربون ويقتلون وينهبون، ثم قصدوا همذان، وكان قد اجتمع بها كثير ممن سلم من أهلها، فأبادوهم قتلاً وأسراً ونهباً، وخربوا البلد.
وكانوا لما وصلوا إلى الري رأوا بها عسكراً كثيراً من الخوارزمية، فكبسوهم وقتلوا منهم، وانهزم الباقون إلى أذربيجان، فنزلوا بأطرافها، فلم يشعروا إلا والتتر أيضاً قد كبسوهم ووضوا السيف فيهم، فولوا منهزمين، فوصل طائفة منهم إلى تبريز، وأرسلوا إلى صاحبها أوزبك بن البهلوان يقولون: إن كنتم موافقنا فسلم إلينا من عندك من الخوارزمية، وإلا فعرفنا أنك غير موافق لنا، ولا في طاعتنا؛ فعمد إلى من عنده من الخوارزمية فقتل بعضهم وأسر بعضهم، وحمل الأسرى والرؤوس إلى التتر، وأنفذ معها من الأموال والثياب والدواب شيئاً كثيراً، فعادوا عن بلاده نحو خراسان، فعلوا هذا وليسوا في كثرة؛ كانوا نحو ثلاثة آلاف فارس، وكان الخوارزمية الذين انهزموا منهم نحو ستة آلاف راجل، وعسكر أوزبك أكثر من الجميع، ومع هذا فلم يحدث نفسه ولا الخوارزمية بالامتناع منهم.
نسأل الله أن ييسر للإسلام والمسلمين من يقوم بنصرتهم، فقد دفعوا إلى أمر عظيم من قتل النفوس، ونهب الأموال، واسترقاق الأولاد، وسبي الحريم وقتلهن، وتخريب البلاد.

.ذكر ملك غياث الدين بلاد فارس:

قد ذكرنا أن غياث الدين بن خوارزم شاه محمد كان بالري، وله معها أصفهان وهمذان وما بينهما من البلاد، وله أيضاً بلاد كرمان، فلما هلك أبوه، كما ذكرناه، وصل التتر إلى بلاه، وامتنع بأصفهان، وحصره التتر فيها فلم يقدروا عليها، فلما فارق التتر بلاده، وساروا إلى بلاد قفجاق، عاد ملك البلاد وعمر ما أمكنه منها، وأقام بها إلى أواخر سنة عشرين وستمائة، وجرى له ما ذكرناه.
ففي آخر سنة عشرين وستمائة سار إلى بلا فارس فلم يشعر صاحبها، وهو أتابك سعد بن دكلا، إلا وقد وصل غياث الدين إلى أطراف بلاده، فلم يتمكن من الامتناع، فقصد قلعة إصطخر فاحتمى بها، وسار غياث الدين إلى مدينة شيراز، وهي كرسي مملكة فارس، وأكبرها وأعظمها، فملكها بغير تعب أو سنة إحدى وعشرين وستمائة، وبقي غياث الدين بها، واستولى على أكثر البلاد، ولم يبق بيد سعد إلا الحصون المنيعة.
فلما طال الأمر على سعد صالح غياث الدين على أن يكون لسعد من البلاد قسم اتفقوا عليه، ولغياث الدين الباقي، وأقام غياث الدين بشيراز، وازداد إقامة وعزماً على ذلك لما سمع أن التتر قد عادوا إلى الري والبلاد التي له وخربوها.

.عصيان شهاب الدين على الملك الأشرف:

ذكر عصيان شهاب الدين غازي على أخيه الملك الأشرف وأخذ خلاط منه:
كان الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب قد أقطع أخاه شهاب الدين غازي مدينة خلاط وجميع أعمال أرمينية، وأضاف إليها ميافارقين وخاني وجبل جور، ولم يقنع بذلك حتى جعله ولي عهده في البلاد التي له جميعها، وحلف له جميع النواب والعساكر في البلاد.
فلما سلم إليه أرمينية سار إليها، كما ذكرناه، وأقام بها إلى آخر سنة عشرين وستمائة، فأظهر مغاضبة أخيه الملك الأشرف، والتجني عليه والعصيان، والخروج عن طاعته، فراسله الأشرف يستميله ويعاتبه على ما فعل، فلم يرعوا، ولا ترك ما هو عليه، بل أصر على ذلك، واتفق هو وأخوه المعظم عيسى، صاحب دمشق، ومظفر الدين بن زيد الدين، صاحب إربل، على الخلاف للأشرف، والاجتماع على محاربته، وأظهروا ذلك.
وعلم الأشرف فأرسل إلى أخيه الكامل بمصر يعرفه ذلك، وكانا متفقين، وطلب منه نجدة، فجهز العساكر وأرسل إلى أخيه، صاحب دمشق، يقول له: إن تحركت من بلدك سرت إليه وأخذته؛ وكان قد سار نحو ديار الجزيرة للميعاد الذي بينهم، فلما وصلت إليه رسالة أخيه، وسمع بتجهيز العساكر، وعاد إلى دمشق.
وأما صاحب إربل فإنه جمع العساكر وسار إلى الموصل، فكان منه ما نذكره إن شاء الله.
وأما الأشرف فإنه لما تيقن عصيان أخيه جمع العساكر من الشام، والجزيرة، والموصل، وسار إلى خلاط، فلما قرب منها خافه أخوه غازي، ولم يكن له قوة على أن يلقاه محارباً، ففرق عسكره في البلاد ليحصنها، وانتظر أخوه صاحب دمشق أن يسير صاحب إربل إلى ما يجاوره من الموصل وسنجار، وأن يسير أخوه إلى بلاد الأشراف عند الفرات: الرقة وحران وغيرهما، فيضطر الأشرف حينئذ إلى العود عن خلاط.
فسار الأشرف إليه، وقصد خلاط، وكان أهلها يريدونه، ويختارون دولته لحسن سيرته، كانت فيهم، وسوء سيرة غازي، فلما حصرها سلمها أهلها إليه يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة، وبقي غازي في القلعة ممتنعاً، فلما جنه الليل نزل إلى أخيه معتذراً ومتنصلاً، فعاتبه الأشرف وأبقى عليه ولم يعاقبه على فعله، لكن أخذ البلاد منه وأبقى عله ميافارقين.

.ذكر حصار صاحب إربل الموصل:

قد ذكرنا اتفاق مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي، صاحب إربل، وشهاب الدين غازي، صاحب خلاط، المعظم عيسى، صاحب دمشق، على قصد بلاد الملك الأشرف، فأما صاحب دمشق فإنه سار عنها مراحل يسيرة وعاد إليها لأن أخاه صاحب مصر أرسل إليه يتهدده إن سار عن دمشق أنه يقصدها ويحصرها، فعاد.
وأما غازي فإنه استحصر في خلاط، وأخذت منه كما ذكرناه.
وأما صاحب إربل فإنه جمع عسكره وسار إلى بلد الموصل وحصرها ونازلها يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة، ظناً منه أن الملك الأشرف إذا سمع بنزوله عليها رحل عن خلاط، ويخرج غازي في طلبه، فتتخبط أحواله، وتقوى نفس صاحب دمشق على المجيء إليهم، فلا نازل الموصل كان صاحبها بدر الدين لؤلؤ قد أحكم أمورها من استخدام الجند على الأسوار، وإظهار آلة الحصار، وإخراج الذخائر.
وإنما قوي طمع صاحب إربل على حصر الموصل لأن أكثر عسكرها كان قد سار إلى الملك الأشرف إلى خلاط وقد قل العسكر فيها، وكان الغلاء شديداً في البلاد جميعها، والسعر في الموصل كل ثلاثة مكاكيك بدينار، فلهذا السبب أقدم على حصرها؛ فلما نزل عليها أقام عشرة أيام ثم رحل عنها يوم الجمعة لتسع بقين من جمادى الآخرة.
وكان سبب رحيله أنه رأى امتناع البلد عليه، وكثرة من فيه، وعندهم من الذخائر ما يكفيهم الزمان الكثير، ووصل إليه خبر الملك الأشرف أنه ملك خلاط، فانفسخ عليه كل ما كان يؤمله من صاحبها ومن دمشق، وبقي وحده متلبساً بالأمر، فلما وصلت الأخبار إليه بذلك سقط في يده، ورأى أنه قد أخطأ الصواب، فرحل عائداً إلى بلده، وأقام على الزاب؛ ومدة مقامه على الموصل لم يقاتلها، إنما كان في بعض الأوقات يجيء بعض اليزك الذين له يقاتلون البلد، فيخرج إليهم بعض الفرسان، وبعض الرجال، فيجري بينهم قتال ليس بالكثير ثم يتفرقون، وترجع كل طائفة إلى صاحبها.